محمد عبد الكريم عتوم

239

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

روابط الأخوة في الدين هي التي تحكم اجتماعهم الاستخلافي . وأما إذا حدث عكس ذلك فكانت الروابط العرقية والقبلية والوطنية والقومية والاقتصادية المصلحية هي الروابط العليا التي يقوم عليها أسس الاجتماع ، فذلك تصور جاهلي للاجتماع الإنساني يذكرنا بالعصر الجاهلي ، حيث تشكلت الثقافة القبلية العربية تحت تأثير المادية الوثنية مع غياب المبدأ الأخلاقي والقانوني العام . وهو تصور مرفوض ويحد التنديد والوعيد في الوحي القرآني ، وذلك استناداً للآيات الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ « 1 » . ويمكن القول بأن مفهوم الأمة هو متطور من المادة إلى الفكر ، وقد تجلى ذلك ببناء المجتمع السياسي ومؤسساته ، على أساس محض معنوي وهو المعتقد ، فقد سعى الإسلام في سيرورته التاريخية منذ انطلاقته لاستيعاب القبلية عن طريق توسيعها ، لتشمل الأمة التي يفترض أن تنمو تدريجياً لتشمل العالم ، حيث يتخذ الإسلام مبدأ الأخوة القبلي منطلقاً ، لكنه ينسف أساسه البيولوجي ويوسعه ليشمل جميع أعضاء الأمة ، وهذا التوسع للمفاهيم يحولها إلى نقيضها فتصبح منطلقاً لتكوين جماعة واسعة قائمة على أسس إنسانية شمولية ، بدل بقائها محصورة في الجماعة الضيقة ، لكل ما هو خارج إطارها . ومن الجدير بالملاحظة أن الدولة الإسلامية لم تقم ، ولم تبن إلا بعد بناء الأمة ، لأن الدولة الحقيقية هي التي تنبثق من إرادة الأمة ، أي أن يكون قيام الدولة ووظائفها ومشروعها السياسي غير قائم على تناقض مع مقتضيات الشرع ، ومصلحة المسلمين العليا ، وبالتالي فالدولة هي مؤسسة من مؤسسات الأمة ، لها أدوارها ووظائفها المحددة . ويرى الباحث أن السعي إلى إحياء مفهوم الأمة الإسلامية هو أمر مقدم على كل شيء ، وأن الدعوة لإقامة الدولة الإسلامية المعاصرة غير ممكنة في ظل ما هي عليه الأمة من أوضاع

--> ( 1 ) - التوبة ، آية 23 .